ابن كثير
97
السيرة النبوية
وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة ، وأن يخلى بين قصي وبين مكة والكعبة . فسمى يعمر يومئذ الشداخ . قال ابن إسحاق : فولى قصي البيت وأمر مكة ، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة ، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه ، إلا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه لأنه يرى ذلك دينا في نفسه لا ينبغي تغييره ، فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه ، حتى جاء الاسلام فهدم الله به ذلك كله . قال : فكان قصي أول بنى كعب أصاب ملكا أطاع له به قومه ، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء ، فحاز شرف مكة كله ، وقطع مكة رباعا بين قومه ، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة . قلت : فرجع الحق إلى نصابه ، ورد شارد العدل بعد إيابه ، واستقرت بقريش الدار ، وقضت من خزاعة المراد والأوطار ، وتسلمت بيتهم العتيق القديم ، لكن بما أحدثت خزاعة من عبادة الأوثان ونصبها إياها حول الكعبة ، ونحرهم لها وتضرعهم عندها ، واستنصارهم بها وطلبهم الرزق منها . وأنزل قصي قبائل قريش أباطح مكة ، وأنزل طائفة منهم ظواهرها ، فكان يقال قريش البطاح ، وقريش الظواهر . فكانت لقصي بن كلاب جميع الرئاسة ، من حجابة البيت وسدانته واللواء ، وبنى دارا لإزاحة الظلمات وفصل الخصومات سماها دار الندوة ، إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة فاشتوروا فيها وفصلوها ، ولا يعقد عقد لواء ولا عقد نكاح إلا بها ، ولا تبلغ جارية أن تدرع فتدرع إلا بها .